الفكاهة في الإعلان العربي

كثيراً ما نصادف حس الفكاهة في الإعلان. لأن الفكاهة أداة أو آلية خفيفة وذكية، تلفت انتباه المستخدم مباشرة وتولّد لديه شعوراً إيجابياً تجاه المنتج الذي يتم ترويجه. هذا طبعاً إذا فرضنا أنه أُحسِن استخدام الفكاهة بما يتلاءم مع صورة وشخصية المنتج.

اختلاف الفكاهة من مجتمع لآخر

يختلف حس الفكاهة من مجتمع لآخر. فالفكاهة وليدة خلفية ثقافية واجتماعية، وليس لها التأثير نفسه على الجميع.

أي ما يثير ضحك البعض قد لا يؤثر بتاتاً بآخرين، وما يُضحِك في مجتمع ما، قد لا يهز ساكناً في مجتمع آخر.

وفي هذه المدوّنة، لن أتطرّق إلى الاختلافات الثقافية بين عربي وأجنبي. بل لكوني متمرّسة في كتابة الإعلانات العربية، سوف أكتفي بإبراز الاختلاف في حس الفكاهة بين بعض المجتمعات العربية، مستندة إلى أمثلة صادفتها في رحلتي الإعلانية وملاحظات راكمتها خلال السنوات الستّة التي أمضيتها وسط العالم الإعلاني.

فلنأخذ على سبيل المثال، حملة أفلام عربيأم الأجنبيلتلفزيون ميلودي أفلام حيث يُكشَف لنا غنى الفكاهة المصرية.

بالرغم من نجاح هذه الحملة على الساحة المحلية والإقليمية وحتى العالمية، لا أعتقد أن الجميع استجاب لكافة تفاصيلها الفكاهية. بل أعتقد أن ما أضحك الناس من مختلف أنحاء العالم هو بالدرجة الأولى المحاكاة الساخرة للأفلام الأجنبية. أما الفكاهة المتشربة بالثقافة المصرية الموجودة في اختيار الشخصيات النموذجية والتعابير العامية في سياق استخدامها، مثل قامت قيامتك يا وديعكتعبير عن الاستياء وحتموّتوا الصاروخ ليه، الصاروخ صفة مسندة للمرأة المثيرة، فمن المستحيل أن يكون تأثيرها على غير المصريين هو نفسه على المصريين. بينما يفهم المصري أساس وأصل وتلميحات كل كلمة، يكتفي باقي العرب بالابتسام للسياق الهزلي وأداء الشخصيات بشكل عام. إلا أنني، ونظراً لخلفيتي اللبنانية، أود الإشارة إلى قوة شعار هذه الحملة، أفلام عربيأم الأجنبيالذي برأيي هو من أقوى الشعارات الإعلانية التي كتبت لتلفزيون حتى اليوم، ربما لأن الفكاهة المستخدمة فيه تعتمد على لعبة كلمات مفهومة في اللهجة اللبنانية أيضاً.

فلننتقل الآن لمثال عن الفكاهة اللبنانية مع آخر إعلان لمزارع تعنايل.

بطلة هذا الإعلان شخصية قد لا يعرفها اللبنانيون إلا من خلال الشاشة، ولكن هناك نسخة عنها في كل عائلة أو جوار أو حي لبناني. فهي تذكرنا بالتيتا جانيت أو العمة جورجيت أو الجارة أنطوانيت. :) وهذا التلميح للجدّة اللبنانية النموذجية من منطقة الأشرفية يحمل قدراً كبيراً من الفكاهة التي تخاطب كثيراً من اللبنانيين. لأننا نلاحظ أن موقف الجدّة اللبنانية التي يوقفها رجل الأمن الفرنسي على المطار ليس كوميدياً بحدّ ذاته. بل تكمن الفكاهة في اختيار الشخصية وطريقة تفاعلها وتحاورها مع رجل الأمن الفرنسي الذي لا يجيد لغتها ولا تجيد إلا كلمات من لغته. هنا أيضاً، يصعب القول عما إذا كان سيستجيب المصري أو الإماراتي أو السعودي مع العناصر الفكاهية التي يراها اللبناني في هذا الإعلان.

أما فيما يتعلق بالإعلانات السورية، فبالرغم من انغلاق السوق السورية على نفسها إلى حد ما، تصلنا بعض الإعلانات عبر الشبكات الاجتماعية كـحليب كرم

وليفة نوتكس.” وتصلنا بهدف إضحاكنا فقط.

بالرغم من المساومة الواضحة على مستوى الإبداع ونوعية الإنتاج في هذين الإعلانين، يمكنني القول أن الفكاهة المستخدمة فيهما تصل وإن بدرجات مختلفة إلى كل مشاهد، مهما كانت خلفيته. لأن الفكاهة هنا تعتمد على مبدأ قلّ ما باء بالفشل، وهو فلنضحك على أنفسنا، كي يضحك الناس عليناوخير دليل على ذلك برنامج “جاك آس” الشهير الذي يلاقي إقبالاً شديداً في العالم.

ما يدفعني إلى التساؤل. هل تقتصر قدرتنا على إثارة الضحك على التعابير العامية المضحكة والتصرفات الغبية؟

في هذه الحالة، أسلّم بأنه لا مجال لاستخدام الفكاهة في الإعلان العربي في الإمارات. فمن خبرتي الإعلانية لم أقابل زبوناً بعد، يحب أن يسخر من منتجه أو يودّ التواصل مع مجموعة واحدة على حساب مجموعات أخرى. وهذا ما يبقيني على الحياد في تواصلي مع المستخدم العربي في الإمارات ويفرض علي استخدام اللغة العربية الفصحى التي بالرغم من غناها وروعتها لا تترك مجالاً كبيراً للنكتة والفكاهة.